القاضي النعمان المغربي

64

تأويل الدعائم

حال النقلة المحمودة المتقدم ذكرها ، وفي الأخرى أن مثل الصلاة على الجنازة مثل الدعوة الظاهرة لا يذكر فيها إمام ولا حجة وإنما هي الدعوة إلى ظاهر الشريعة بالشهادتين وإلى ذلك يدعى من كفر بعد إيمانه أولا حتى يقر به فلذلك لم يكن فيها ركوع ولا سجود اللذين مثلهما كما ذكرنا مثل طاعة الإمام والحجة ويكون الميت هاهنا مثله مثل الكافر بحسب ما بينا فيما تقدم فهذه هي جملة من القول في الصلاة على الجنائز . ويتلو ذلك مما هو في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه ذكر وفاة رسول اللّه ( صلع ) وغسل على صلوات اللّه عليه له وتكفينه إياه وأن العباس أتاه لما فرغ من ذلك فقال يا علي إن الناس قد اجتمعوا ليصلوا على رسول اللّه ( صلع ) ورأوا أن يدفن في البقيع وأن يؤمهم في الصلاة عليه رجل منهم ؛ فما ذا ترى في ذلك ، وما ذا تقول فيه ؟ فخرج علي عليه السلام على الناس وقد اجتمعوا لذلك فقال : أيها الناس إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله كان إماما حيّا وميتا وإنه لم يقبض نبي إلا ودفن في البقعة التي مات فيها ، قالوا أصنع ما رأيت فقام على صلوات اللّه عليه على باب البيت فصلى على رسول اللّه ( صلع ) وقدم الناس عشرة عشرة يصلون عليه وينصرفون وإنما فعل على صلوات اللّه عليه من ذلك ما أمره به رسول اللّه ( صلع ) وعهده إليه فيه ولعلم الناس بذلك سلموه إليه ، وهكذا كانت الصلاة الظاهرة على رسول اللّه ( صلع ) في ظاهر أمره . ونقلة رسول اللّه ( صلع ) ليست كنقلة سائر الناس فباطن نقلته تنقله في الملكوت الأعلى ولذلك وليه جبرئيل بغسله ، وشاركه في ذلك على صلوات اللّه عليه ووليه معه إذ قام على من بعده مقامه للأمة ولم يحمل على سرير الموتى ولا نقل عن مكانه إذ ذلك كما ذكرنا حد من حدود الدعوة لمن دونه ، والأنبياء قد ارتفعوا صلوات اللّه عليهم عن مثل تلك الحدود ولذلك قال على ( صلع ) إنه لم يقبض نبي إلا دفن في البقعة التي مات فيها ولم يصل عليه كما يصلى على الموتى وإنما وقف من صلى عليه متقربا إلى اللّه عزّ وجل به ، وذلك قول اللّه جل ذكره : « وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ » « 1 » . ولذلك قال على ( صلع ) إن رسول اللّه ( صلع ) كان إماما حيّا وميتا وإنما ولى أمر رسول اللّه ( صلع ) فيما نقل إليه أهل الملأ الأعلى من الملائكة المقربين الذين يلون مثل ذلك من النبيين .

--> ( 1 ) سورة التوبة : 99 .